ابن باجة

61

رسائل فلسفية لأبي بكر بن باجة

10 - ومن قوله أيضا [ في الفاعل القريب والفاعل البعيد وخلود العقل ] بعد الإحالة إلى ما ورد في آخر كتاب « المشكاة » للغزالي ، وإلى ما قاله أبو نصر في « عيون المسائل » ، تأتي الفقرة الثانية لتؤكد على مقولة طالما رددها ابن باجة في كتاباته « الطبيعية » وفي بعض رسائله المتأخرة مثل رسالته في « المتحرك » ، ورسالته في « النفس النزوعية » المنشورتين في القسم الأول ، وهي ان الفاعل الأول هو الفاعل على الحقيقة وان الفاعل القريب لا فعل له . والملاحظ ان اللغة التي كتبت بها هذه الفقرة لغة بأجوبة واضحة لا تختلف عما ورد عن الموضوع في النصوص المشار إليها ، وكذلك نجد الأمثلة المضروبة واحدة هنا وهناك . الا ان الجديد هو التصريح الوارد في الفقرة الثالثة بان العقل الفعال بمعونة الاجرام السماوية هو الفاعل القريب في جزئيات الكون والفساد ، وان الذي فطرهما على ذلك هو الفاعل ابدا بالحقيقة . اما الفقرة الثالثة فإنها تسجل نقلة إلى موضوع آخر يمكن اعتباره تكرارا لبعض ما ورد في آخر الرسالة السابقة بصدد الخير والوجود والشر والعدم ، وذلك تمهيدا للبرهنة على خلود العقل - وهو أحد الهواجس الرئيسية لكاتب رسائل هذا القسم - من خلال موقف يناهض الارسطية ويناهض بالضرورة الموقف الباجوي الذي تشكل وفق المعطيات الفلسفية للتيار الارسطي - المشائي وبالهام منه . ولا يسعنا الا ان نستغرب مرة أخرى من الجمع في رسالة واحدة بين موقفين فلسفيين ينتميان إلى تيارين متعارضين في تاريخ الفلسفة القديمة ، مما يدل على أن صاحب هذا الخلط لا يمكن ان يكون فيلسوفا في مستوى ابن باجة . ولعل مما يجعل هذه الرسالة احدى النماذج الأساسية في هذا الصدد هو احالتها في آن واحد إلى كتاب « السماع الطبيعي » لأرسطو وإلى « مشكاة الأنوار » للغزالي « وعيون المسائل » لأبي نصر ، واحالتها الضمنية أيضا إلى كتاب « الخير المحض » . وقد رأينا فيما قبل أمثلة من هذا النوع ، وهي جميعها على النقيض مما تتميز به نصوص ابن باجة من وضوح فكري .